ابن كثير

165

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ما بأيديهم ، فتكشّف عن سبعين ألف قتيل ، وإن اللّه أوحى إلى موسى أن حسبي فقد اكتفيت فذلك حين ألوى موسى بثوبه وروي عن علي رضي اللّه عنه نحو ذلك . وقال قتادة : أمر القوم بشديد من الأمر فقاموا يتناحرون بالشفار ، يقتل بعضهم بعضا ، حتى بلغ اللّه فيهم نقمته ، فسقطت الشفار من أيديهم ، فأمسك عنهم القتل فجعل لحيهم توبة ، وللمقتول شهادة . وقال الحسن البصري : أصابتهم ظلمة حندس « 1 » ، فقتل بعضهم بعضا ثم انكشف عنهم فجعل توبتهم في ذلك . وقال السدي في قوله فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ قال : فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف ، فكان من قتل من الفريقين شهيدا حتى كثر القتل حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل منهم سبعون ألفا وحتى دعا موسى وهارون : ربنا أهلكت بني إسرائيل ، ربنا البقية البقية ، فأمرهم أن يلقوا السلاح ، وتاب عليهم ، فكان من قتل منهم من الفريقين شهيدا ، ومن بقي مكفرا عنه ، فذلك قوله فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وقال الزهري : لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى فاضطربوا بالسيوف وتطاعنوا بالخناجر ، وموسى رافع يديه حتى إذا فتر بعضهم ، قالوا : يا نبي اللّه ، ادع اللّه لنا ، وأخذوا بعضديه يسندون يديه ، فلم يزل أمرهم على ذلك حتى إذا قبل اللّه توبتهم قبض أيديهم بعضهم عن بعض فألقوا السلاح وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم ، فأوحى اللّه جل ثناؤه إلى موسى : ما يحزنك ، أما من قتل منهم فحي عندي يرزقون ، وأما من بقي فقد قبلت توبته ، فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل ، رواه ابن جرير بإسناد جيد عنه « 2 » . وقال ابن إسحاق : لما رجع موسى إلى قومه وأحرق العجل وذراه في اليم ، خرج إلى ربه بمن اختار من قومه ، فأخذتهم الصاعقة ، ثم بعثوا ، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل ، فقال : لا إلا أن يقتلوا أنفسهم قال : فبلغني أنهم قالوا لموسى : نصبر لأمر اللّه فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده ، فجلسوا بالأفنية ، وأصلت عليهم القوم السيوف ، فجعلوا يقتلونهم ، وبكى موسى ، وبهش « 3 » إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم ، فتاب اللّه عليهم وعفا عنهم ، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف « 4 » . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لما رجع موسى إلى قومه وكانوا سبعين رجلا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه ، فقال لهم موسى : انطلقوا إلى موعد ربكم ، فقالوا : يا موسى . أما من توبة ؟ قال : بلى ، فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ - الآية : فاخترطوا

--> ( 1 ) ظلمة حندس : شديدة السواد . ( 2 ) إسناده في الطبري : حدثنا المثنى ، حدثنا أبو صالح ، حدثني الليث ، حدثني عقيل ، عن ابن شهاب . ( 3 ) بهش إليه : خفّ إليه . ( 4 ) الطبري 1 / 327 .